التقدمية العنصرية / محمد افو

مرت سنوات وأنا أتابع هذا الفضاء معوضا غربتي بمعايشة إفتراضية ، متحسسا روح وطني وهناته ، ومنصتا لأصواته الخافتة وتلك التي تصم الآذان ، على حد سواء .

ولا أنكر أني حين قررت كتابة هذا المنشور ، وضعت نصب عيني تعقيد اللغة التي يمكن أن أكتبه بها دون أن أثير حفيظة اللماحين .

لكن المصلحة الوطنية تقتضي بعض المكاشفات المرة وذلك لإستباق بعض الشر بأهون منه .

لذلك سأتحدث حديثا للعقلاء، متحسسا أدوات الكياسة والرصانة عن يميني وناظرا بطرف عيني للمجنحة عقولهم بصفحة أو إثنتين من تاريخ النضال العالمي .

*

في هذا البلد مكونات عرقية مختلفة ، وحاقت بها عوامل الدهر فحدت حولها حدودا سياسية أصبحت بكل واقعية هي وطنها الحصري دون كل العالم .

وهذا يقتضي أن يتحمل الجميع مسؤولياته في إيصال مخاض الدولة إلى حيث يخرج مكتمل النمو خال من الهنات والعيوب الخلقية .

لأننا في هذه الفترة من تاريخنا نقع في محز قلق ويحتاج منا لإنتقاء اللغة التي نتحدث بها والكياسة في وضع آرائنا حيز النظر قبل أن نستميت في نظرية الحرية وحدودها .

فالناحية الأخلاقية لا تتجزأ بحيث يمكننا تعريف حريتنا دون تعريف مناطاتها وسقفها المصلحية ، ومعرفة ما إذا كنا تجاوزنا مرحلة الأمان الإثني داخل سجن الوطن الأزلي هذا .

من الملاحظ أن هناك موضة من التقدمية لم تتشكل رؤيتها للوجود بشكل واضح ، ولا زالت تقدم نفسها بتعاريف فضفاضة وقاموسية وشكلية .

تطرح لنفسها أمارات لم تتجاوزها بعد لفلسفة مدنية أصيلة وصلبة ، وتلتبس على هذه التقدمية التوجهات الفكرية والفلسفات السياسية .

فهي يسارية كادحة باعتبار  وليبرالية  فردية بآخر  وإشتراكية عند إقتضاء وعلمانية عن عند آخر .

ولا حرج في موسوعية المعرفة وابتكار العارف لمخارج مبتكرة ، لكن ذلك يقتضي سلفا أن يحدث إلمام موسوعي بالتفاصيل والإختلافات الدقيقة بين المدارس الفكرية والفلسفية ، ناهيكم عن تطورات هذه المدارس وتفرعاتها لمذاهب شتى .

فقضية هذا الوطن متمركزة حسب قاموس التعريف لهؤلاء في محاور ثابتة :

– الدين ورجاله

– مجتمع البيظان

ويتفاوت التعبير عن هذين الملمحين بين التصريح المنمق بأدوات الحياد ، والتلميح الراكن خلف تقية التعبير .

فالدين يمكن نتف ريشه بعد الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم وتحييده عن القضية باعتبارها قضية مسلمين لا قضية نبي .

والبيظان مادة دسمة للتندر الرمزي والمباشر ( حسب المقام ) .

فحين تكون الجرعة قوية  يتم القفز على العرب ليتم تعويم السخرية وإبطال مفعول العنصرية شكليا ، ويتم بذلك الهروب من ضريبة التهمة والنقد .

وحين تكون الجرعة متوسطة يتم الإكتفاء بالقبيلة لنتف ريش الحاضرين والسامعين باعتبار ضيق زاوية الرد ، فلا أحد يتحمل وزر الدفاع عن القبيلة وإن كان تم سلخه في حضرته بتعويمة كتلك .

أما إن كانت الجرعة خفيفة فالتوجه للبيظان بالإزدراء ليس سوى لعبة ” هيت ” في فضاء لا يعتقد هؤلاء أن من يعيشون به لهم آذان يسمعون بها أوأعين يبصرون بها  أو حتى عقول أو قلوب تفقه .

والغريب في الأمر أن الحديث لا يتم عن الأعراق إلا في إطار التكريم والتبجيل ( إخوتنا لكور ، إخوتنا لحراطين  .. الخ )

لكن السور من جهة البيظان بدى لتقدميي هذا المنكب هو الحيز الذي تفقد فيه العنصرية تعريفها ، وتستحيل المدنية والتقدمية إلى خراب ريثما يتم التخلص من سواخن العصبية ويستريح المحاربون .

وبعدها يكملون سهراتهم في الحديث عن إحترام الآخر والوحدة الوطنية والمساواة والمدنية والتعايش السلمي .

لن أضطر للقول بأني لا أتحدث كبظاني ، فأنا مصاب بعمى الألون ولا تخذلني حاسة النفاذ للإنسان ولا أتكلس على جلود البشر ، فدماؤهم كلها حمراء وأمعاؤهم بذات الأطوال وخلف أدغتهم مادة واحدة لكل منها نصيب .

*

لننطلق من منهجية عامة وذلك لتعليق النقد من أهداب عينه أمام محكمة العقل .

إن من يتحدث عن التعايش ويضرب جود  المطالع وكرم المقالع في نموذجية الأمة الفلانية أو العلانية ، عليه أن يتذكر أن من يباهي بهم ، هم أول من سيزين معصميه بالأصفاد حين يتحدث حديثا كهذا في دولة من دولهم .

لأن الفروسية الإنسانية لا تجتمع في جمجمة واحدة مع التبعية للتعصب .

والحديث عن الحقد الطبقي يكاد يفر من أفواه كهذه إلى القبور ، لان الصمت أنفع للفتى من النفاق .

نحن شعب  بين تاريخين

نريد أن نتمسك بقيم تحمي وجودنا كمجتمع حديث ونتخلى عن أخرى أرهقتنا ، وإما أن نتقدم خطوة إلى الأمام أو نرجع للتي مازلنا نعرفها .

هذا البيظاني الأدخن الذي أصبح مادة للتندر والسخرية ، وسقط متاع يستباح كبيظاني وكابن قبيلة وكعربي ، لا أريدكم أن تجعلوه جيفة التتار يوم سبقهم، يتنافسون أيهم يحملها من عرقوبها أطول وقت على جواده .

فهناك تعريف يجمعه باللقطاء عند بوابة الوطن سواسية لا فرق بينه وبينهم ، ولا أحد عليه أن يستبح عرض أحد ولا ينحت من أصله عمارا لمجالس السخرية  والتندر .

أقول قولي هذا حبا في كرامة لا تستثني منا أحدا وحقا لا يتقاصر دون أحدنا للآخر واستشرافا لمستقبل سنصطلي ناره أو نجني ثماره سويا ولن ينفع أحدنا الفرار من الآخر إلا إليه .

هذا الوطن هو جنتنا إن كبحنا سعار الحقد والطبقية والعنصرية أيا كان مصدرها ، وهو نارنا إن جعلنا من آذاننا طينا وأعيننا عجينا ، حتى نقع في الفاجعة لخوفنا من بوادرها .

فهذا النوع من الآراء والتلميحات والتصريحات لا يختلف عاقلان على سفهه ولا على مستوى إيذائه للمعنين به .

و إجتهاد الأمم في نخر تاريخهم للبحث والعبرة ، يختلف عن ” تكطكيط ” التقدمية في بادية الصحراء الكبرى لإثارة النعرات وتنعات لعلب للصائمين على لأواء أعراضهم حفظا للحياة .

في هذا البلد ينبغي ان تنشأ تقدمية تحترم وعدها

تترك للمريد شيخيه الذي يعتقد ببركته

ولإبن القبيلة قبيلته يكفر بها أو يؤمن

وللعربي عروبته فهو المؤتمن على نسبه وليدخله جنة أو يوديه لنار

والكل أمام الوطن سواسية لهم ما يشاؤون من معتقداتهم وأعرافهم وثقافتهم .

وعلينا أن نحسن الفصل بين الحدود الوطنية العامة والخيارات الثقافية المتنوعة .

دعوها “يخياتي” فإنها منتنة

أنا محمد ول أفو ولا أهتم لأي عرق أنتمي ففي كل الأحوال لن يمنحني أي عرق أكثر مما أنا عليه ولن يسلبني آخر مما أحوز .

سلام على أمتنا وأعراقنا ولغاتنا وتاريخنا ومستقبلنا وسلام على كل موريتاني حالم بالعدل والإخاء.

عن admin

شاهد أيضاً

سياسة مغايرة لنمط الحكم

محمد ولد الشيخ محمد أحمد انتهج سياسة مغايرة لنمط الحكم طيلة العشرية الماضية

حين انتخب السيد محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني رئيسا للجمهورية انتهج سياسة مغايرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *